محمد بن وليد الطرطوشي
365
سراج الملوك
فاحتفروا فاستخرجوا منه سفطا « 1 » فيه جوهر فكتب إلى عمر بن الخطاب ، أما بعد : فإني دخلت إيوانا من إيوان كسرى ، فرأيت كذا وكذا ، فاحتفرت فأخرجت سفطا فيه جوهر ، فلم أجد أحقّ به منك يا أمير المؤمنين ، لم يكن من فىء « 2 » المسلمين فأقسمه بينهم ، إنما أصبنا شيئا تحت الأرض . فلما قدم السّفط على عمر ، وعليه خاتم السائب ، فرأى عمر فيما يرى النائم ، كأن نارا أجّجت وهو يراد أن يلقى فيها ، فكتب إلى السائب : أن اقدم عليّ ، قال : فقدمت عليه وهو يطوف في إبل الصدقة ، فطفت معه إلى نصف النهار ، ثم دعا بماء فاغتسل ، ودعا لي بماء فاغتسلت ، ثم ذهب إلى منزله ، فأتى بلحم غليظ « 3 » ، وخبز متحمّش « 4 » فقال : أنظر من على الباب ، فإذا سودان « 5 » من الصوفية ، فأذن لهم ، فجعل يأكل معهم ، فإذا لحم غليظ لا أستطيع أن أسيغه ، وقد كنت تعودت درمك « 6 » أصبهان ، إذا وضعته في فمي دخل بطني ، ثم دعا بالسفط ، وقال : أتعرف خاتمك ؟ قلت : نعم ، فقال كتبت ترفق لي تزعم أنى أحق به ، من أين أصبته ؟ فأخبرته ، قال : اذهب فاجعله في بيت مال المسلمين ، حتى أقسمه بينهم . وقال قتادة : قدم عمر بن الخطاب رضي الله عنه الشام ، فصنع له طعام لم ير قبله مثله ، فقال : هذا لنا ؟ فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا ، وهم لا يشبعون من خبز الشعير ؟ قال خالد بن الوليد « 7 » : لهم الجنة ، فاغرورقت عينا عمر ، وقال : لئن كان حظنا في هذا الطعام وذهبوا بالجنة ، لقد باينونا بونا بعيدا . وقال عبد الله بن عمر العمرى : عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قدم الشام قال لأبى عبيدة « 8 » : اذهب بنا إلى منزلك ، قال : [ ما تريد إلى أن
--> ( 1 ) السفط : وعاء كالقفة يعبأ فيه الطيب أو ما أشبهه من أدوات النساء . ( 2 ) الفىء : ما أخذ من الكفار بعد ان تنتهى الحرب أما الغنائم فما يؤخذ منهم والحرب قائمة . ( 3 ) لحم غليظ : أي قاس . ( 4 ) خبز متحمش : جاف وصلب . ( 5 ) السودان : مجموعة من الناس الواحد سوداني يلبسون الصوف تقشفا . ( 6 ) الدرمك : الدقيق الأبيض . ( 7 ) خالد بن الوليد : المخزومي القرشي سيف الله المسلول كان من أشراف قريش ومن فرسان الإسلام أسلم قبل فتح مكة سنة 7 ه مات في حمص سنة 21 ه . ( الأعلام 2 / 300 ) . ( 8 ) أبو عبيدة عامر بن الجراح : القرشي الأمير القائد فاتح الديار الشامية والصحابي وأحد العشرة المبشرين بالجنة ، كان يلقب « أمين الأمة » ، شهد كل المشاهد وقاد جيوش المسلمين بعد خالد بن الوليد حتى بلغ آسيا الصغرى شمالا والفرات شرقا توفى بطاعون عمواس ودفن في غور بيسان سنة 18 ه . ( الأعلام 3 / 252 ) .